يتساءل كثير من الأخوة والزملاء عن (سحّاري) من أين؟ وإلى أي شيء
ينسب؟ وذلك لأنهم يسمعون كثيراً هذا الاسم في المدارس والجامعات
والوزارات وغيرها من مراكز التعليم ومقر الأعمال، ثم إني لم أر أحداً
أجاب عن هذا السؤال جواباً شافياً، وبيّنه بياناً كافياً، مما حدا ببعض
الناس إلى الاجتهاد على غير بصيرة فنجد من يقول: إنهم نسبوا إلى السحر،
وآخر يقول: نسبوا إلى أجدادهم، وهناك من يقول: نسبوا إلى قبيلة معينة،
ولكثرة من يسألني عن هذا الأمر، رأيت أن من المهم جداً أن أكتب عن
(سحّار) من حيث خبرتي ومعرفتي بها، لأنني أحد أبنائها من وجه، ومن وجه
آخر: أردت الجواب عن هذا السؤال الذي حيّر كثير، فأقول:
سحّار: بسينٍ مهملة، وحاء مشددة، وألف ثم راء، والأصل بالصاد: صحّار،
ثم قلبت سيناً، لكثرة الاستعمال طلباً للتخفيف، وهم من قبائل خولان بن
عامر في بلاد صعدة كما ذكر الشيخ ابراهيم بن أحمد المقحفي - رحمه الله
- في (معجم المدن والقبائل اليمنية) المطبوع بصنعاء قبل نحو اثنين
وعشرين سنة، ثم نزحت هذه القبيلة إلى المخلاف السليماني في عهد الشريف
حمود كما ذكر ذلك الشيخ عبدالرحمن بن أحمد البهكلي في (نفح العود في
سيرة دولة الشريف حمود) وأتمه الشيخ الحسن بن أحمد المعروف ب (عاكش)
مؤيداً له على ما ذكر، سائراً على منهجه كما سار السيوطي على منهج شيخه
المحلي في (تفسير الجلالين).
وهذه القبيلة برز فيها كثير من العلماء، ولكنهم لم يشتهروا ولم يُترجم
لهم لسببين: أحدهما:
أنهم لما قدموا من اليمن (صعدة) ابتعدوا عن العلماء هناك فانقطعت
الصلات، ولم تعرف أخبارهم، فصنف الشيخ محمد بن محمد زيارة كتابه (نيل
الوطر من تراجم رجال اليمن في القرن الثالث عشر) ولم يذكر فيه أحداً
منهم.
السبب الثاني: أنهم لما قدموا إلى المخلاف السليماني (جازان) لم يمكثوا
في قلب المنطقة، فلم يعرفوا، ولذلك الذين صنفوا في تاريخ المخلاف
السليماني آنذاك كالبهكلي وعاكش لم يترجموا أحداً منهم، وكذلك الزركلي
في (الأعلام) لم يذكر أحداً منهم مع أنه ترجم للكثير من علماء وشعراء
تهامة، وإنما صادف وجودهم في أبي عريش أثناء حرب الشريف حمود مع خصومه،
كما ذكر الأستاذ علي بن حسين الصميلي في كتابه (العلاقة بين أمراء أبي
عريش وأمراء عسير في القرن الثاث عشر) ثم عادوا إلى الجبال التي تقع
غرب العارضة وتعرف الآن ب (جبال العبادل) وهي سلسلة جبال تبدأ من
العارضة وتنتهي بجبال (آل محمد) كما هو معروف لمن زار جازان.
وصارت قبيلة سحّار من أشهر قبائل العبادل السبع المعروفة عند أبناء
المنطقة، الذين لهم خبرة بالأنساب والبلدان هناك، وقد أقيم حفل تعريفي
بهذه القبائل في محافظة (القصبة) ضمن الاحتفالات التي اقيمت بمناسبة
مرور مئة عام على توحيد هذه البلاد عام 1419ه. وكنت آنذاك حاملاً راية
(سحّار) وأنا لا أزال في الصف الأول المتوسط، وأذكر ذلك كأنه حدث يوم
أمس. ثم إن سحّار أصبحت قرية كبيرة تقع بين جبلين في شمال ملتقى الحدود
الفاصلة بين الدولتين، ولا أبالغ إن قلت: لا يعرف أولها آخرها من
كثرتهم، وفيها مدرسة كبرى تعرف باسم (مدرسة سحّار الابتدائية والمتوسطة
والثانوية) تأسست عام 1395ه، درس فيها كثير من الآباء والأجداد وتخرج
فيها كثير من الأساتذة والزملاء، وأكثرهم الآن أساتذة في اللغة العربية
في المدرسة وبعضهم هنا في الرياض، وبعضهم في الشمال والشرق، وسحّار
مشهورة في (جازان) لا يجهلها أحد، بل هي أشهر قبائل العبادل على
الإطلاق، لكثرة من فيها من الأعيان والوجهاء وأصحاب الأعمال وغير ذلك.
وتعنى بها المنطقة أكثر من غيرها، وتقام فيها الدورات المكثفة
والنشاطات المختلفة والأمسيات الشعرية واللقاءات الأدبية ودورات تحفيظ
القرآن وغيرها.
وهي مشهورة كذلك بين الشعراء والأدباء، حتى أكثر الشعراء من وصفهها،
واثنى على أهلها، وانبهر من روعتها، وافتتن بها كل من درّس فيها حتى
قال أحد الشعراء والأساتذة واصفاً لها، وهو ممن درس فيها واسمه: حامد
صميلي:
فاح الشذا والعطر والأزهار
وسمت بك الأقمار يا (سحّار)
غنت بك الأطيار في أعشاشها
وتنفست بنسيمك الأسحار
وهي قصيدة طويلة تقع في ثلاثين بيالمزيد























